النساء والولادة

التهاب المهبل الشائع: الأعراض والأخطاء الشائعة والمسار الصحيح للعلاج

مقدمة: انتشار التهاب المهبل وأهمية معرفته معرفةً صحيحة

التهاب المهبل من أشيع المشكلات في صحة المرأة، وتعاني منه معظم النساء مرة واحدة على الأقل خلال حياتهن. ويُعدّ هذا الوضع أحد الأسباب الرئيسية لمراجعة النساء الطبيب، ويمكن أن يسبّب متاعب ملحوظة (منها الحكّة والحرقة والألم والإفرازات غير الطبيعية) وتراجعًا في جودة الحياة. لذا فإن للمعرفة الصحيحة بأنواع التهاب المهبل وبالطرق العلمية لتشخيصه وعلاجه أهمية خاصة. وفي هذا المقال سنتناول بالبحث العلمي التهاب المهبل الشائع وأعراضه والأخطاء الشائعة في تشخيصه وعلاجه والمقاربات العلاجية والوقائية الصحيحة.

 

تعريف التهاب المهبل وأنواعه الشائعة

التهاب المهبل يعني التهاب المهبل أو عدواه، وهو قادر على إحداث الحكّة والحرقة والألم والإفرازات والرائحة المزعجة. وليس التهاب المهبل مرضًا واحدًا، بل يُطلق على مجموعة من الحالات لكلٍّ منها سببها وأعراضها وعلاجها الخاص. وأشيع أنواعه هي:

التهاب المهبل البكتيري (BV): أشيع أسباب العدوى المهبلية لدى النساء في سنّ الإنجاب، ويحدث نتيجة اختلال التوازن بين البكتيريا «النافعة» و«الضارّة» في المهبل. ففي هذه الحالة تنمو البكتيريا الضارّة نموًا مفرطًا وتقلّ البكتيريا النافعة. ولا يُعدّ التهاب المهبل البكتيري عدوى منقولة جنسيًا بالمعنى الكلاسيكي، لكنه يُشاهَد أكثر لدى النساء ذوات الشركاء الجنسيين المتعدّدين أو الجدد. ومن علاماته المميّزة إفراز رقيق رمادي مائل إلى البياض ذو رائحة كريهة (تشبه رائحة السمك غالبًا). وبحسب تقدير منظمة الصحة العالمية، يبلغ معدّل الانتشار العالمي لهذا الالتهاب لدى النساء في سنّ الإنجاب نحو 23٪ إلى 29٪.

العدوى الفطرية (داء المبيضّات المهبلي): ثاني أشيع أسباب التهاب المهبل، وينتج عن النموّ المفرط لفطريات مثل Candida albicans في المهبل. وفطر المبيضّة موجود طبيعيًا بمقدار قليل في المهبل، لكنه يمكن أن يتكاثر تكاثرًا مفرطًا عند اختلال توازن الفلورا المهبلية (كبعد تناول مضاد حيوي أو في السكري غير المضبوط). والعلامة المميّزة للعدوى الفطرية حكّة شديدة مع إفراز كثيف أبيض اللون على هيئة كتل شبيهة بالجبن. وهذه الإفرازات بلا رائحة عادةً وقد تصاحبها حمرة والتهاب في منطقة المهبل والفرج.

داء المشعّرات: نوع من العدوى الطفيلية في المهبل ينتقل عن طريق العلاقات الجنسية. وعامله وحيد الخلية Trichomonas vaginalis، ويُصنَّف ضمن الأمراض المنقولة جنسيًا. وقد تكون هذه العدوى بلا أعراض، لكنها تسبّب غالبًا إفرازًا كريه الرائحة أصفر مائلًا إلى الخضرة (رغويًا أحيانًا) مع حكّة وحرقة والتهاب في المهبل. وداء المشعّرات بلا أعراض عادةً لدى الرجال، لكنه يمكن أن يُحدث أعراضًا مزعجة لدى النساء، ويزيد في حال عدم علاجه خطر انتقاله إلى الشريك والإصابة بأمراض منقولة جنسيًا أخرى.

التهاب المهبل غير الإنتاني (التهيّجي أو التحسّسي): هذا النوع لا ينتج عن عدوى ميكروبية، بل يحدث بفعل تفاعل مع عوامل كيميائية أو فيزيائية مهيّجة. فمثلًا يمكن للحساسية أو التهيّج الناتج عن استعمال البخّاخات النسائية أو الدوش المهبلي أو الصابون أو المنظّفات المعطّرة أو مبيدات الحيوانات المنوية أو الواقيات المطاطية أو بقاء جسم غريب (كسدادة قطنية منسيّة) أن يسبّب التهاب المهبل وتهيّجه. وقد توجد في هذه الحالة حرقة وحكّة وإفرازات حتى من دون وجود عدوى ميكروبية. وإزالة العامل المهيّج تؤدّي عادةً إلى تحسّن الأعراض.

التهاب المهبل الضموري (ضمور المهبل): هذه الحالة، المعروفة أيضًا بمتلازمة البول التناسلية لسنّ اليأس، تحدث لدى النساء في سنّ اليأس أو من انخفض لديهن مستوى الإستروجين (كفترة الرضاعة أو بعد استئصال المبيضين). فانخفاض هرمون الإستروجين يسبّب ترقّق النسيج المبطّن للمهبل وجفافه وتراجع الإفرازات الطبيعية، مما يؤدّي إلى التهاب المهبل وحساسيته. وتشمل أعراضه جفاف المهبل والحرقة والحكّة والألم عند الجماع وأحيانًا تبقيعًا دمويًا بعده. والعلاج الأساسي لهذه الحالة هو الاستعمال الموضعي للإستروجين لتحسين نسيج المهبل، وسنوضّحه في الأقسام التالية.

ملاحظة: يمكن للأنواع الأقلّ شيوعًا من التهاب المهبل أن تنتج عن عوامل أخرى أيضًا؛ كالعدوى الفيروسية (مثل الهربس) أو التفاعلات المناعية الذاتية (التهاب المهبل الالتهابي المرتبط باضطرابات المناعة). لكن نصيب هذه الحالات أقلّ مقارنةً بالأسباب المذكورة. فالأسباب الثلاثة الأولى — التهاب المهبل البكتيري والعدوى الفطرية وداء المشعّرات — تشكّل مجتمعةً نحو 90٪ من حالات التهاب المهبل، ولذلك ينصبّ التركيز الرئيسي في التشخيص والعلاج على هذه العوامل الشائعة.

 

الأعراض السريرية المشتركة والخاصة

أعراض التهاب المهبل وعلاماته مشتركة إلى حدّ بعيد بين أنواعه المختلفة، وإن كانت بعض الأعراض الخاصة تساعد على تشخيص نوعه. وعمومًا فإن أشيع شكاوى المريضات هي: تغيّر لون الإفراز المهبلي أو رائحته أو مقداره، وحكّة المهبل أو حرقته، والألم أثناء الجماع، والحرقة عند التبوّل، وأحيانًا نزف خفيف أو تبقيع. وقد يُلاحَظ بالفحص أيضًا احمرار جدار المهبل والفرج والتهابهما. وفيما يلي بعض الخصائص المميّزة للإفرازات في أنواع التهاب المهبل الشائعة:

التهاب المهبل البكتيري: يكون الإفراز المهبلي عادةً رقيقًا أبيض أو رماديّ اللون، ورائحته الكريهة (الشبيهة برائحة السمك الفاسد غالبًا) هي السمة الرئيسية. وقد تزداد هذه الرائحة وضوحًا بعد العلاقة الجنسية. والحكّة والحرقة خفيفتان عادةً أو معدومتان، بل إن كثيرًا من المصابات به لا تظهر لديهنّ أعراض واضحة أصلًا.

العدوى الفطرية (داء المبيضّات): تكون الإفرازات غالبًا كثيفة بيضاء اللون وكتليّة (شبيهة بالجبن) وقد تكون بلا رائحة. ومن العلامات البارزة الأخرى للعدوى الفطرية الحكّة الشديدة والحرقة واحمرار المهبل والفرج. وقد يصاحب التبوّل ألم وحرقة بسبب ملامسة البول للنسيج الملتهب.

داء المشعّرات: من علاماته المميّزة إفراز كريه الرائحة أصفر مائل إلى الخضرة وله حالة رغوية. ويُحدث داء المشعّرات غالبًا حكّة شديدة وحرقة بل وألمًا مهبليًا، وقد يصاحبه احمرار الغشاء المخاطي وعنق الرحم (منظر عنق الرحم الشبيه بالفراولة).

التهاب المهبل الضموري: لا توجد في هذه الحالة عادةً إفرازات تُذكر، بل على العكس يسود جفاف المهبل. ويمكن لجفاف الغشاء المخاطي ورقّته أن يؤدّيا إلى حرقة وحكّة وألم أثناء الجماع وأحيانًا تبقيع بعده. وقد يُظهر الفحص غشاءً مخاطيًا رقيقًا شاحبًا وهشًّا مع التهاب خفيف.

التهاب المهبل التهيّجي أو التحسّسي: قد تكون الإفرازات شفّافة أو قليلة وغير إنتانية، لكن توجد حرقة وإحساس بالانزعاج في المهبل والفرج. وقد يحمرّ الجلد المحيط أو يلتهب. وتظهر الأعراض عادةً في أعقاب استعمال منتج جديد (كصابون معطّر أو فوطة صحية جديدة أو مزلّق يحتوي على مادة مسبّبة للحساسية وغيرها) وتتحسّن بإزالة ذلك العامل.

والانتباه إلى هذه الفروق السريرية يمكن أن يكون مفيدًا جدًا في تشخيص نوع العدوى المهبلية، لكن — كما سيأتي — لا يكفي الاعتماد على الأعراض وحدها وثمة حاجة إلى فحوص تكميلية.

 

الأخطاء الشائعة في التشخيص والعلاج الذاتي

رغم الانتشار الكبير لالتهاب المهبل، فللأسف تشيع بعض المعتقدات والإجراءات الخاطئة بين المريضات بل وأحيانًا بين المعالِجين، وهي قادرة على أن تفضي إلى تشخيص أو علاج خاطئ. وأهم هذه الأخطاء:

التشخيص الذاتي والعلاج الخاطئ من المريضة: كثير من النساء يشخّصن التهاب المهبل ويعالجنه بناءً على تخمين شخصي محض من دون إجراء فحص أو استشارة طبية. فمثلًا عند ملاحظة حكّة وإفراز يظنّن أنهنّ مصابات بعدوى فطرية ويستعملن أدوية مضادة للفطريات من دون وصفة؛ في حين أن السبب الأصلي للمشكلة قد يكون شيئًا آخر. وقد أظهرت الدراسات أن التشخيص الذاتي من المريضة صحيح في أقلّ من ثلث الحالات. ونتيجةً لذلك يمكن أن يؤدّي العلاج الذاتي إلى إضاعة الوقت وتفاقم الأعراض بل وتعقيد العدوى. فالاستعمال غير المحلّ لدواء غير مناسب (كاستعمال كريم مضادّ للفطريات لحالة هي في الأصل بكتيرية، أو العكس) لا يفيد بل قد يخلّ بالتوازن الطبيعي لميكروبات المهبل.

بدء العلاج من دون تشخيص قطعي (العلاج التجريبي): يبدأ بعض المعالِجين أحيانًا العلاج تجريبيًا قبل ظهور النتائج القطعية للفحوص أو حتى من دون إجرائها. ومع أن هذه المقاربة لا مفرّ منها حيث تكون إمكانية الفحص محدودة، فإنها قد تفضي في كثير من الحالات إلى وصف علاج خاطئ. فمثلًا وصف مضاد حيوي بناءً على التخمين في حين أن العدوى فطرية (أو العكس) لن يكون مجديًا بل قد يطيل أمد المشكلة. وقد أظهرت إحدى الدراسات أن العلاج بُدئ لدى 36٪ إلى 67٪ من المريضات ذوات أعراض التهاب المهبل (وبخاصة الحوامل) من دون انتظار نتيجة الفحص وبناءً على التخمين السريري وحده. وقد أدّى ذلك في بعض الحالات إلى تلقّي المريضة علاجًا غير مناسب، أو إلى عدم تشخيص بعض العداوى وبقائها من دون علاج إن كانت مصابة بعدة عداوى في وقت واحد. والواقع أن عدم استعمال الاختبارات الدقيقة يجعل العداوى المصاحبة — كالإصابة المتزامنة بالتهاب المهبل البكتيري والعدوى الفطرية — تمرّ من دون انتباه.

الدوش المهبلي والإجراءات الصحية الخاطئة: من المعتقدات الخاطئة لدى المريضات استعمال الدوش المهبلي أو المنظّفات القوية لإزالة الرائحة الكريهة أو لزيادة النظافة. والدوش المهبلي لا يفيد في العلاج، بل يمكن أن يزيد احتمال الإصابة بالتهاب المهبل البكتيري بإخلاله توازن البكتيريا النافعة في المهبل. وتفيد التقارير أن النساء اللواتي يعانين إفرازًا كريه الرائحة يعتبرن هذه الحالة دليلًا على «عدم النظافة» فيُقبلن أكثر على الدوش المهبلي والغسل، في حين أن هذه الإجراءات تزيد الوضع سوءًا. كما يؤكّد مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أن الدوش المهبلي يمكن أن يخفي العدوى الموجودة أو ينشرها، وأنه غير موصى به للوقاية من التهاب المهبل أو لعلاجه. وعمومًا فإن استعمال البخّاخات والصابون المعطّر والدوش المهبلي وما شابهها من الأسباب المهمة لتهيّج بيئة المهبل واختلال توازنها، وينبغي تجنّبها.

إهمال مراجعة الطبيب عند اللزوم: قد يكون التأخّر في المراجعة الطبية عند مواجهة بعض الأعراض من الأخطاء الجدّية. فأي انزعاج شديد أو غير معتاد في المهبل، وبخاصة إن صاحبه إفراز كريه الرائحة أو حكّة شديدة أو ألم حوضي أو حمّى أو سابقة علاقات جنسية عالية الخطورة، يحتاج إلى تقييم من الطبيب. فمثلًا يوصي مركز مكافحة الأمراض بأن تراجع الطبيب حتمًا النساءُ اللواتي تظهر لديهنّ أعراض التهاب المهبل للمرة الأولى أو اللواتي تبقى أعراضهنّ بعد علاجات ذاتية. وتجاهل هذه الحالات يمكن أن يؤدّي إلى تفاقم العدوى وحدوث مضاعفات أكبر (كداء التهاب الحوض في حال انتشار بعض العداوى) أو إلى نقل المرض إلى الآخرين.

 

أسس التشخيص الطبي الدقيق

لتشخيص العدوى المهبلية تشخيصًا دقيقًا وللتفريق بين أنواعها المختلفة، لا بدّ من تقييم طبي ومخبري. فالاعتماد المحض على الأعراض السريرية أو على قصة المريضة مضلّل غالبًا، ومن دون فحص تكميلي يكون احتمال الخطأ في التشخيص كبيرًا. ولذلك يتّبع الأطباء عادةً المقاربة الآتية للوصول إلى تشخيص صحيح:

أخذ القصة المرضية الكاملة: يسأل الطبيب عن تفاصيل الأعراض (نوع الإفراز ورائحته وشدّة الحكّة والألم وغيرها)، وعن سابقة التهاب المهبل أو الأمراض المنقولة جنسيًا، والعادات الصحية (كاستعمال الدوش أو المنتجات المهبلية)، والسلوكيات الجنسية (عدد الشركاء واستعمال الوقاية)، وأي علاج ذاتي أُجري. وتساعد هذه المعلومات على توجيه التشخيص لكنها لا تكفي وحدها.

الفحص السريري للحوض: يُفحَص بالمنظار حال جدران المهبل وعنق الرحم من حيث وجود احمرار أو التهاب أو إفراز غير طبيعي أو آفة. ويُقيَّم كذلك مظهر الإفراز (لونه وقوامه) ورائحته، وتعطي موجودات الفحص مؤشّرات أولية عن نوع التهاب المهبل.

أخذ العيّنة وفحص الإفرازات المهبلية: يأخذ الطبيب بمسحة خاصة عيّنة من الإفراز المهبلي أو من عنق الرحم لإرسالها إلى المختبر للفحوص التكميلية. ويمكن أن تشمل هذه الفحوص الزرع الميكروبي واختبارات المستضدّات السريعة أو تفاعل البوليمراز المتسلسل (PCR) (للمشعّرات أو غيرها من الأمراض المنقولة جنسيًا) والفحص المجهري.

قياس درجة حموضة المهبل: يُلامَس جدار المهبل بشريط أو عود خاص لقياس درجة الحموضة. ودرجة الحموضة الطبيعية للمهبل في سنّ الإنجاب بين 3.8 و4.5 عادةً. ودرجة الحموضة الأعلى من 4.5 ترجّح التهاب المهبل البكتيري أو داء المشعّرات، في حين أنها لا تتغيّر عادةً في العدوى الفطرية وتبقى في المجال الحمضي الطبيعي. وبالطبع فإن هذا الاختبار وحده ليس تشخيصيًا قطعيًا لكنه مفيد إلى جانب سائر الموجودات.

الفحص المجهري واختبار الإفراز الطازج: يُخلَط جزء من الإفراز على شريحة مخبرية مع بضع قطرات من محلول ملحي طبيعي ويُفحَص تحت المجهر بتكبير مناسب. وقد تُرى في هذه الشريحة الرطبة حركة طفيل المشعّرات أو وجود الخلايا الدليلة (Clue Cells) الدالّة على التهاب المهبل البكتيري. كما أن وجود فطريات مبرعمة أو خيوط فطرية في شريحة محضّرة بهيدروكسيد البوتاسيوم 10٪ يدلّ على عدوى فطرية. وإذا لم تُشاهَد المشعّرات أو الفطريات بهذه الاختبارات فلا يمكن نفيها نفيًا قطعيًا، لأن حساسية الفحص المجهري نحو 50٪، وقد تلزم عند الشكّ السريري طرق أدقّ كالزرع أو PCR. ومن اللافت أن وجود عدد كبير من الكريات البيض في الإفرازات، في غياب أي كائن ممرض، قد يكون علامة محتملة على التهاب عنق الرحم يستدعي الفحص بحثًا عن عداوى عنق الرحم كالمتدثّرة والسيلان.

فحوص أخرى: يُستعان عند اللزوم بالزرع الميكروبي للإفراز أو باختبارات المستضدّات السريعة أو باختبارات تضخيم الحمض النووي (NAAT) للتعرّف على عوامل بعينها. وقد أسهمت اليوم اختبارات NAAT المتعدّدة، التي تشخّص الأسباب الثلاثة الشائعة لالتهاب المهبل (البكتيري والمبيضّات والمشعّرات) في آن واحد من عيّنة واحدة، في تحسين دقة التشخيص وسرعته. وهذه الاختبارات مفيدة بخاصة في حالات العداوى المختلطة أو حين تتناقض الموجودات السريرية مع نتيجة الفحص المجهري.

وبتنفيذ الخطوات السابقة يمكن عادةً تحديد السبب الرئيسي لالتهاب المهبل لدى معظم المريضات. وإذا بقيت أعراض المريضة ولم يُعثر على أي عامل إنتاني في الفحوص، فينبغي التفكير في الأسباب غير الإنتانية. ويُطرح في مثل هذه الظروف احتمال التهاب المهبل التهيّجي (تفاعل تحسّسي)، أو التهاب المهبل الضموري (لدى النساء في سنّ اليأس)، بل وحالات أندر كالتهاب المهبل الالتهابي (بسبب أمراض المناعة الذاتية مثلًا). وعند تعقّد التشخيص أو عدم الاستجابة للعلاجات المعتادة، يُوصى بإحالة المريضة إلى اختصاصي النساء أو اختصاصي الأمراض المعدية لمزيد من الفحوص.

والنقطة الأخيرة في التشخيص أن وجود أكثر من سبب في وقت واحد أمر ممكن؛ فقد تُصاب مريضة بالتهاب المهبل البكتيري وبعدوى فطرية معًا. لذا ينبغي للطبيب أن يأخذ جميع الموجودات في الحسبان معًا وأن يجري علاجًا مركّبًا عند اللزوم.

 

المقاربات العلاجية العلمية بحسب نوع التهاب المهبل

يتوقّف علاج التهاب المهبل توقّفًا مباشرًا على سببه؛ لذا ينبغي بعد التشخيص الدقيق بدء علاج موجّه لاستئصال العامل المسبّب وإزالة الأعراض. وفيما يلي الطرق العلاجية المعيارية لكلٍّ من أنواع التهاب المهبل الشائعة:

التهاب المهبل البكتيري: الخطّ الأول لعلاجه مضادات حيوية تعيد الفلورا الميكروبية الطبيعية للمهبل إلى حالتها السليمة. والميترونيدازول أو الكليندامايسين (على هيئة كريم مهبلي أو قرص فموي) هما الدواءان المختاران الرئيسيان. ومدة العلاج 5 إلى 7 أيام عادةً. ومن الخيارات الأخرى التينيدازول الفموي أو السيكنيدازول الفموي. وهذه الأدوية تصحّح كذلك الاختلال الحاصل بقضائها على البكتيريا اللاهوائية الضارّة. ويُنصح أثناء العلاج بأن تمتنع المريضة عن الاتصال الجنسي أو أن تستعمل الواقي حتمًا، لأن العلاقة الجنسية، وبخاصة مع شريك جديد، يمكن أن تُخلّ بالتوازن الميكروبي من جديد. وبعد العلاج تتحسّن الأعراض غالبًا خلال بضعة أيام، لكن معاودة التهاب المهبل البكتيري شائعة، إذ تعود الأعراض لدى نحو 20٪ إلى 30٪ من المريضات خلال 3 أشهر. وعند المعاودة المتكرّرة قد يُطرح علاج أطول أمدًا أو وصف بروبيوتيك مهبلي للمساعدة على إعادة العصيّات اللبنية الواقية.

العدوى الفطرية (داء المبيضّات المهبلي): تُستعمل لعلاجها الأدوية المضادة للفطريات. ففي الحالات الخفيفة إلى المتوسطة يكفي العلاج الموضعي، ويمكن استعمال كريمات أو تحاميل مضادة للفطريات داخل المهبل مدة 3 إلى 7 ليالٍ. ومن الأدوية المتداولة الكلوتريمازول أو الميكونازول على هيئة كريم أو تحميلة، وكثير منها متاح في الصيدليات من دون وصفة أيضًا. وفي العداوى الأشدّ أو المعاودة يُوصف الفلوكونازول الفموي الذي يستأصل العدوى في معظم الحالات. والنقطة المهمة أنه لا ينبغي للمريضة أن تفترض أن كل إفراز أو حكّة مهبلية فطريّ وأن تتناول مضادًا للفطريات من تلقاء نفسها. فالاستعمال غير المحلّ لمضادات الفطريات حين يكون السبب الحقيقي شيئًا آخر يمكن أن يؤخّر التشخيص الصحيح ويطيل أمد المشكلة. لذا يُفضّل عند عدم التيقّن من نوع العدوى تحديد العامل حتمًا بفحص أو باستشارة طبية قبل العلاج. كما يُفضّل للحوامل أو للمريضات اللواتي يُصبن بعدوى فطرية للمرة الأولى استشارة الطبيب لتلقّي علاج مناسب وآمن.

داء المشعّرات: العلاج المعياري له الميترونيدازول الفموي أو التينيدازول الفموي. وهذا العلاج يستأصل العدوى في أكثر من 95٪ من الحالات. والنقطة البالغة الأهمية هي علاج شريك المريضة أو شركائها في الوقت نفسه؛ إذ إن احتمال إصابتها من جديد كبير خلاف ذلك، نظرًا للطبيعة الجنسية للمرض. ويُنصح بالامتناع عن العلاقة الجنسية أو باستعمال الواقي حتمًا إلى حين اكتمال العلاج وسلبية الفحوص. وإذا استمرّ داء المشعّرات رغم العلاج المعياري (وهو نادر)، فينبغي التفكير في مقاومة دوائية محتملة واستعمال علاجات بديلة أو جرعة أعلى من الميترونيدازول تحت إشراف طبيب مختصّ.

التهاب المهبل الضموري: العلاج الأساسي له تعويض نقص الإستروجين في أنسجة المهبل. ويُوصف الإستروجين الموضعي على هيئة كريم مهبلي أو قرص مهبلي أو حلقة مهبلية، فيُمتصّ موضعيًا ويحسّن ثخانة الغشاء المخاطي للمهبل ورطوبته. وهذه العلاجات لا تُصرف ولا تُستعمل إلا بوصفة الطبيب، وقبل البدء بها يقيّم الطبيب حال المريضة من حيث عدم وجود موانع لاستعمال الإستروجين (كبعض السرطانات). وإضافةً إلى الإستروجين، يمكن للاستعمال المنتظم للمرطّبات والمزلّقات المهبلية أن يساعد على تقليل الجفاف والحرقة. أما المريضات اللواتي لا يستطعن استعمال الإستروجين لأسباب طبية فتُستعمل لهنّ خيارات غير هرمونية كالمرطّبات المخصّصة للمهبل (المحتوية على حمض الهيالورونيك أو مركّبات مرطّبة)، ولها أثر قصير الأمد وينبغي استعمالها باستمرار. وقد يستغرق تحسّن أعراض الضمور عدة أسابيع، ويكون الاستعمال الدوري المستمرّ للإستروجين الموضعي ضروريًا عادةً للحفاظ على النتائج العلاجية.

التهاب المهبل غير الإنتاني: أهم إجراء علاجي في هذه الحالات هو التعرّف على العامل المهيّج وإزالته. ويُنصح المريضة بإيقاف كل منتج صحي جديد أو مادة كانت تستعملها مع بدء الأعراض؛ كصابون معطّر استعملته حديثًا أو فوطة صحية ذات رائحة. وتتحسّن الأعراض عادةً بإزالة العامل خلال بضعة أيام إلى أسبوع أو أسبوعين. وفي الحالات التي يكون فيها الالتهاب والحكّة شديدين، قد يصف الطبيب مؤقتًا كريمًا كورتيكوستيرويديًا موضعيًا لمنطقة المهبل لتقليل الالتهاب وإتاحة فرصة للغشاء المخاطي كي يترمّم. وفي التهابات المهبل التحسّسية المصحوبة بضمور (كما لدى النساء في سنّ اليأس)، يمكن للجمع بين علاج الإستروجين الموضعي وكريم الستيرويد أن يزيل العاملين معًا (الضمور والالتهاب المناعي). ومن النقاط الأخرى أنه عند الاشتباه في عدوى مصاحبة (كأن تكون المريضة قد أُصيبت أولًا بالتهاب مهبل فطري ثم بالتهاب جلد تماسي ناتج عن الدواء)، ينبغي علاج تلك العدوى في الوقت نفسه. وباختصار، ففي هذا النوع من التهاب المهبل — خلافًا للأنواع الإنتانية التي يكون علاجها الدوائي موجّهًا نحو السبب — ينصبّ التركيز الرئيسي على الإجراءات الداعمة وتجنّب العوامل المهيّجة. وبتنفيذ هذه الإجراءات تنفيذًا صحيحًا يكون التهاب المهبل غير الإنتاني قابلًا للزوال التام عادةً.

 

سبل العناية والوقاية من معاودة المرض

بعد نجاح علاج التهاب المهبل، تكون المرحلة المهمة التالية هي الوقاية من عودة المرض والحفاظ على صحة المهبل. ولتقليل خطر معاودة التهاب المهبل وللوقاية منه عمومًا، يُوصى بالسبل الآتية:

مراعاة النظافة الصحيحة للمنطقة التناسلية: أبقي المنطقة التناسلية نظيفة وجافّة. ويكفي الغسل الخارجي اليومي للمهبل بالماء (وبصابون لطيف غير معطّر عند الحاجة)، وتجنّبي الغسل المفرط أو استعمال الصابون القوي لأنهما يهيّجان الجلد والغشاء المخاطي. وبعد الاستحمام أو السباحة اشطفي المنطقة التناسلية جيدًا بالماء النظيف وجفّفيها بمنشفة ناعمة لإزالة الرطوبة الزائدة.

تجنّب الرطوبة والحرارة المفرطة في منطقة المهبل: البيئة الدافئة الرطبة تسهّل نموّ الميكروبات وبخاصة الفطريات. فالبسي ملابس داخلية قطنية وفضفاضة، وتجنّبي ارتداء الملابس الضيّقة أو ذات الألياف الصناعية التي تمنع التهوية مدة طويلة (كالجوارب الطويلة من دون بطانة قطنية أو بنطال اليوغا أو الساق الضيّق). وبعد الرياضة أو السباحة بدّلي الملابس المبتلّة أو المتعرّقة في أول فرصة ولا تبقي طويلًا بملابس رطبة. وهذه الإجراءات تساعد على الوقاية من العدوى الفطرية وغيرها.

تجنّب الدوش المهبلي والمنتجات الصحية المهيّجة: كما أُشير، الدوش المهبلي عدوّ التوازن السليم للمهبل. فلا تُجري الدوش المهبلي روتينيًا أبدًا. فالمهبل قادر طبيعيًا على تنظيف نفسه، والتدخّل الزائد لا يزيد الوضع إلا سوءًا. وتجنّبي كذلك استعمال السدادات القطنية أو الفوط الصحية المعطّرة والبخّاخات والمساحيق المعطّرة في المنطقة التناسلية. فهذه المنتجات يمكن أن تهيّج الغشاء المخاطي للمهبل وتمهّد للالتهاب أو العدوى. وبدلًا منها، فإن الغسل اللطيف بماء فاتر والتجفيف الكافي هو الأسلوب الأمثل.

مراعاة الصحة الجنسية: جزء مهم من الوقاية يتعلّق بالتهابات المهبل المنقولة جنسيًا. فإن كنتِ نشطة جنسيًا فاحرصي على مراعاة أصول العلاقة الجنسية الآمنة؛ كاستعمال الواقي استعمالًا مستمرًا وصحيحًا، وتجنّب تعدّد الشركاء. فكلما زاد عدد الشركاء الجنسيين ارتفع احتمال دخول بكتيريا أو طفيليات جديدة إلى فلورا المهبل واختلال توازنها. وفي حال وجود شريك جنسي جديد، يُوصى إضافةً إلى استعمال الوقاية بمراجعة الطبيب وإجراء الفحوص اللازمة للتحقّق من عدم وجود عداوى منقولة جنسيًا خفيّة.

العناية الهرمونية في سنّ اليأس: يُفضّل للنساء اللواتي يعانين الجفاف والتهاب المهبل الضموري بسبب سنّ اليأس أن يستعملن علاجات وقائية بمشورة الطبيب. فالاستعمال المنتظم للكريمات أو الأقراص المهبلية المحتوية على الإستروجين بجرعة منخفضة يمكن أن يحفظ صحة نسيج المهبل ويمنع معاودة الأعراض الضمورية. وبالطبع ينبغي بدء هذه العلاجات ومواصلتها تحت إشراف الطبيب. وإلى جانب ذلك يساعد استعمال المرطّبات المهبلية على الحفاظ على رطوبة النسيج ومرونته.

تقوية الجهاز المناعي وإجراءات أخرى: من المهم أيضًا ضبط الحالات التي تهيّئ المرء لالتهاب المهبل. فمثلًا يكون ضبط سكر الدم لدى النساء المصابات بالسكري ضروريًا للوقاية من العدوى الفطرية المتكرّرة (فالفطريات تنمو نموًا أفضل في بيئة عالية السكر). ويُوصى كذلك بتجنّب الإفراط في تناول المضادات الحيوية؛ فتناولها من دون ضرورة يمكن أن يخلّ بتوازن فلورا المهبل بقتله العصيّات اللبنية النافعة فيؤدّي إلى التهاب مهبل فطري أو بكتيري. وعند الحاجة إلى مضاد حيوي طويل الأمد، قد يقترح الطبيب في الوقت نفسه تناول بروبيوتيك أو لبن يحتوي على العصيّات اللبنية لدعم الفلورا الطبيعية (وإن كانت الشواهد على ذلك محدودة). كما أن الفحوص النسائية المنتظمة وإجراء الفحوص الاستقصائية الموصى بها، مثل مسحة عنق الرحم وفحوص الأمراض المنقولة جنسيًا لدى الفئات عالية الخطورة، تساعد على اكتشاف العداوى وعلاجها مبكرًا. وتذكّري أن نمط الحياة الصحي (التغذية المتوازنة والرياضة وإدارة التوتّر) يؤدّي بدوره إلى تقوية الجهاز المناعي ومن ثمّ إلى مقاومة أكبر للجسم في مواجهة العداوى.

 

الخلاصة والتوصيات

خلاصة القول إن التهاب المهبل مشكلة شائعة جدًا لكنها قابلة للعلاج بين النساء، ويمكن أن تحدث لأسباب مختلفة تتراوح بين العداوى البكتيرية والفطرية والتغيّرات الهرمونية والتفاعلات التحسّسية. ورغم التشابه النسبي للأعراض في هذه الحالات، فإن للتشخيص الدقيق لنوع التهاب المهبل أهمية أساسية لأن العلاج الفعّال يختلف لكلٍّ منها. ولحسن الحظ فإنه بالمقاربة العلمية الصحيحة — التي تشمل أخذ القصة المرضية الكاملة والفحص الدقيق وإجراء الفحوص المخبرية واختيار علاج موجّه — تُشخَّص معظم حالات التهاب المهبل وتُعالَج معالجةً جيدة.

ويُوصى، كلما واجهتِ أعراض التهاب المهبل كإفراز غير طبيعي كريه الرائحة أو حكّة أو حرقة شديدة أو ألم أثناء الجماع أو التبوّل أو نزف غير معتاد (وبخاصة إن كانت المرة الأولى أو كانت الأعراض شديدة)، بأن تتجنّبي العلاج الذاتي وتراجعي طبيبة نساء مختصّة. كما أن المتابعة الطبية ضرورية في حال عدم تحسّن الأعراض بعد يوم أو يومين أو عند معاودة المشكلة مرارًا. وبالتشخيص الصحيح والعلاج الكامل (بإتمام دورة الأدوية الموصوفة حتى مع تحسّن الأعراض مبكرًا) يمكن الوقاية من معظم المضاعفات وحالات المعاودة. وتذكّري أن لمراعاة التوصيات الصحية والوقائية المذكورة نصيبًا مهمًا في الحفاظ على التوازن الطبيعي للمهبل ومنع التهابات المهبل المتكرّرة. وفي النهاية، فإن التهاب المهبل مهما كان مزعجًا يمكن إدارته بالوعي والإجراء في وقته، ولا ينبغي أن يكون سببًا للخجل أو للخوف من مراجعة الطبيب. فالعناية بصحة الجهاز التناسلي جزء مهم من الصحة العامة للمرأة، والاهتمام بها يرفع جودة الحياة ويمنح راحة البال.

 

المصادر العلمية:

استُعين في إعداد هذا المقال بمصادر علمية وطبية موثوقة؛ منها إرشادات مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، ومقالات مايو كلينك، وتوجيهات منظمة الصحة العالمية، والدراسات المنشورة في PubMed.

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يبدأ الحوار.

اكتب تعليقك